الخميس، 25 أبريل، 2013

هندسة الميكاترونيكس، التخصص المزعوم !

هل ندمت على اختيارك لتخصص الميكاترونيكس؟

سؤال طرحه أحد الزملاء علينا وبعضنا يعيش آخر أيامه في جامعتنا بعد خمس سنوات طوال، مرت بحلوها ومرها. تفنن الأصحاب في التأكيد على ثقتهم باختيارهم لهذا التخصص وسعادتهم به، أما أنا فقررت ساعتها أن أحتفظ برأيي لنفسي، وهو أمر تضطر لفعله في جامعة تفيض بمن قد يقطع علاقته بك بسبب اختلافكما في الرأي!

آنذاك، أجبت على هذا السؤال في نفسي والقلب يبكي بأدمع مكتومة على حال هذا التخصص الفقير...

بداية، ما هو تخصص الميكاترونيكس؟ وهل يوجد هذا التخصص أصلا في جامعتنا؟ نعم، إنه موجود، ولكنه للأسف ليس سوى حبرا على ورق، بل وأقل من ذلك بكثير.

ما زلت اذكر سنتي الثانية بالجامعة عندما كنت أفكر بالتخصص الذي يناسبني، وعلى عكس المئات من طلاب الكلية الذين كانوا يبحثون عن التخصص ذا المستقبل الوظيفي الأفضل، قررت عدم اعتبار هذه النقطة على الإطلاق، لثقتي بقدراتي ولمعرفتي بمتطلبات سوق العمل في هذا البلد.

ظللت أبحث في الخطط الدراسية لجميع التخصصات إلى أن قررت أن اختار تخصصي الحالي "الميكاترونيكس" لإعجابي بالمقررات التي يدرسونها في خطتهم الدراسية، مقررات علمت بعد فوات الأوان أنها ليست سوى حبر على ورق، وضعت في تلك الخطة لتستدرج من يمكن استدراجه من الطلبة المغفلين أمثالي، إلى هذا التخصص "المزعوم".

زملائي في التخصص، لعلكم تدركون ما أعنيه، فها نحن نوشك على التخرج والانتهاء من جميع المقررات الدراسية المفروضة علينا، وصرنا ندرك أن تخصصنا المزعوم ليس سوى بضعة مواد تعدها باليد الواحدة، أما الباقي فعليك أن تدرسه أو بالأحرى تشحته من هذا التخصص أو ذاك ليتم معادلته بما تم وضعه في خطتنا الدراسية المزعومة!

ولم ينتهي الأمر بهذه المهزلة فقط، فجاءت كليتنا بإدارتها الحكيمة واستحدثت نظاما يعطي الأولوية في عدد المقاعد من كل مادة لطلاب التخصص الذي يطرح تلك المادة، لنبقى نحن أبناء الميكاترونيكس نقاتل على فضالة المقاعد من هنا وهناك، ويصل الحال في بعض الأحيان إلى ترجي الدكتور فلان وعلان لتسجيلك في مادته التي لا زالت تحوي أكثر من عشرة مقاعد خالية تم حجزها لطلاب ذلك التخصص، أما أنت أيها الميكاترونيكي فلا شيء يحجز لك لأنك لا تنتمي لأي من تخصصات كلية الهندسة أصلا!

طوال دراستنا في هذا التخصص الوهمي ونحن نعاني ونصرخ بأعلى صوت مطالبين بأن يكون لدينا ربع ما لزملائنا في التخصصات الأخرى، عملنا بجد وأثبتنا بشهادة عدونا قبل صديقنا أننا الأفضل بمشاريعنا وأمسياتنا ومهارات طلابنا في مختلف المجالات، وها نحن نكمل عامنا الثالث على أطنان الوعود التي نحصل عليها دائما كالحصول على غرفة مشاريع لجماعتنا كما هو حال غيرنا من الجماعات الهندسية، أو بالحصول على مختبر لتخصصنا كما لدى بعض التخصصات الأخرى نصف درزينة من المختبرات بينما نحن "نتخشش" للمذاكرة أو العمل في مختبرات تخصص الهندسة الكهربائية مرة، والمدنية مرة أخرى، أو الميكانيكية إن تم طردنا من هذه وتلك بسبب انشغالها، وهلم جرا....

ولعل القشة التي قسمت ظهر البعير هو ذلك الوعد من أحد كبار المسؤولين بكليتنا الذي وعدنا بكل ثقة بالحصول على المكان المخصص لورشة النجارة التي ستنتقل لمكان آخر، وأعطانا وعدا بأن نستلم ذلك المكان بحلول يناير من هذا العام، وها نحن نقترب من نهاية إبريل، ولم نطأ شبرا من تلك القاعة، بل وعندما فاتحنا المسؤلين بالموضوع فوجئنا بردهم أن الغرفة ستكون مقسومة بيننا وبين جماعة الهندسة الميكانيكية!

باختصار شديد، لقد تعلمنا معنى الذل في هذا التخصص الذليل، لقد عانينا الأمرين في دراستنا وفي أعمال جماعتنا الطلابية، وأقولها كل مرة لمن يسألني ما هو أكثر شيء تعلمته في الجامعة، لأجيبه، تعلمت معنى الذل !

لقد كنت قبل فترة أنصح الطلاب الجدد في الكلية بهذا التخصص رغبة لهم وللتخصص بالخير، ولكني الآن صرت أخبر من يسألني عن هذا التخصص بحجم المعاناة التي سيلاقيها، بل وصرت أنصح البعض بالدخول لتخصص "محترم" بدل تخصصنا هذا، إلى أن يمن الله على هذا التخصص "المشرد" بقسم يرعاه ويعتبره ابنا له، أو أن يكبر هو بنفسه ليصبح تخصصا بحد ذاته. على كل حال يبقى هذا وذاك بعيد المنال خاصة في بلد يستغرق فيه انهاء معاملة ورقية أشهرا وربما سنوات !

نعود للسؤال من جديد، هل ندمت على اختيار هذا التخصص؟ الذي حاز على اهتمام كبير من كليتنا لدرجة أنهم يبتعثون العشرات من التخصصات الأخرى للتدريب في الخارج بينما يحصل تخصصنا على مقعد يتيم في أرذل بقاع الهند.
هل ندمت على دخولى لهذا التخصص؟ التخصص الذي لم يسمع عنه أصلا الكثير من المسؤلين عن التوظيف في كبار الشركات في هذا البلد، ولكليتنا العريقة الفضل الكبير في ذلك، ولا ننسى أن نوصل شكرنا لأصحاب الكروش والخناجر على اهتمامهم بتخصصنا، وإكمالهم لواجباتهم على أكمل وجه.

إجابتي على السؤال هي "لا"، لم أندم على اختياري لهذا التخصص، لأنني اخترته بمليء إرادتي، ولأنني درست به كثيرا مما طمحت لتعلمه يوما من الأيام، نعم خاب ظني كثيرا ولكن لم نخرج من هذا التخصص بخفي حنين، فقد حصلنا منه على مهارات لا بأس بها على الرغم من أن أغلبها جاء باجتهادنا الذاتي لا من مناهج التخصص. لم ولن أندم على دخول هذا التخصص، لأنني فيه التقيت بأناس ما كنت لألتقي بهم في أي تخصص آخر، أناس تعلمت منهم أضعاف ما تعلمته من كتبنا الدراسية ومنهجنا الدراسي العقيم، وأنا لم ولن أندم يوما على دخولي لهذا التخصص، فقط لأني التقيت بهذه الصحبة والتي أسأل الله أن يديمها ما بقينا في هذه الدنيا.

عثمان المنذري.

الثلاثاء، 22 مايو، 2012

شرطة عمان السلطانية

القصة كما يرويها صاحبها.


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله

أسطر لكم هذه السطور وكلي شفقة على أبناء وبنات الشعب العماني العظيم من وضع خطير يتربص بهم الدوائر وينتهك أعراضهم وأموالهم بدون رادع ولئن كان المال قابلا للزيادة والنقصان إلا أن الأرواح إذا أزهقت لن تعود والأعراض إذا انتهكت فلا راد لها كما يقول الشاعر:

أصون عرضي بمالي لا أدنسه .......... لا بارك الله بعد العرض في المال...

ولست أتحدث هنا عن إرهاصات مستقبلية بل عن واقع عشته شخصيا لمدة 30 يوما أدركت فيه مدى خطورة وترهل الوضع الأمني في عمان ومدى جرأة المجرمين على اللعب والاستهزاء بمقدرات هذا الوطن "أبناؤه وثرواته" لعلمهم أن الصرامة مع المجرمين مفقودة في هذا البلد

يخالجني شعور أن هناك ترابطا وثيقا بين قصتي وقصة أهل المفقود الموجود أحمد العامري وتلك الأمريكية التي غرق زوجها في وادي عدي... هناك عامل مشترك بيننا بل ومع آلاف العمانيين ممن لجأ وقت الشدة إلى الجهة التي أوكل إليها إغاثة الملهوف. قد يكون الأمر فوق قدرتهم أو ليس من صلاحياتهم "كما قال لي كثير من الشرطة: "هذا ما شغلنا" ولكن هذا ليس بعذر فإن لم نتصل ب رقم العمليات 9999 فبمن؟ هل نتصل بطوارئ الكهرباء أم أن شركة الصرف الصحي أكثر قدرة وإستعدادا منهم؟؟
سأعرض لكم قصتي في تسعة أجزاء لعلي أغير شيئا من واقع مظلم ظالم

الجزء الأول: بداية الحكاية
بدأت قصتي بتاريخ 14/ 4 السبت عندما توجهت بسيارتي "تويوتا برادو" لمحطة شل وادي عدي وأدخلتها شركة برسشن تيون للصيانة الساعة 9:25 صباحا.... استلم مسؤول الشركة السيارة وسلمني إيصالا اعتياديا موقعا من الطرفين يفيد بتخويلهم تشغيل وتجريب السيارة من أجل الصيانة... بما أن الأمر يستغرق عادة ساعات عدة، كنت قد نويت الذهاب للبيت حتى وقت جهوز السيارة إلا أن الموظف أفادني بعدم وجود زحام وأن الصيانة لن تستغرق أكثر من ساعة ونصف وفورا حرّك السيارة وصفّها في مرآب تبديل الزيوت... غيرت رأيي وقررت البقاء في غرفة الإنتظار حتى استلام السيارة

الساعة: 9:55
كنت أقلب الجرائد لتمضية الوقت واثقا أن السيارة في أيدي "خبراء العناية بالسيارات" كما هو بارز في كل إعلاناتهم و إذا برجل غريب يمتطي السيارة وهو يرمقني بنظرة وبادلتهُ بواحدة غير مكترث بالأمر ظانا أنه أحد الفنيين,,, تحركت السيارة للخلف "على غير العادة" مما أثار ريب مسؤول الشركة فخرج على عجل ليركض خلف السيارة التي اتجهت نحو محطة البترول بسرعة خارقة..... خلال ثوان استوعبت شيئا مما يحدث وخرجت من غرفة الانتظار لأرى العمال يركضون خلف السيارة التي استدارت حول المحطة وعادت مرة أخرى (تتميز محطة وادي عدي بأن مضخات الوقود موجودة في كلا الجانبين) ... ركضت في الإتجاه المعاكس ورأيته قادما نحوي،،، مددت ذراعي واقفا في وسط الشارع لأوقفه إلا أنه قاد السيارة بسرعة خارقة داخل المحطة وكاد أن يدهس كل من كان موجودا بالصدفة وتوجه نحوي بدون أدنى نية لتخفيف السرعة وفي آخر لحظة قفزت جانبا لأنجو انا وكل من تجمهر من الموجودين أسفل مظلة المحطة من موت محقق ويدخل هو دوار وادي عدي بسرعة خيالية متجها نحو حلة السد ....
هكذا كان المشهد العجيب ولكم أن تتخيلوا شعور من وقف راجلا وجها لوجه أمام سيارة ينوي سائقها قتله!!!!

هنا سُرقت السيارة في وضح النهار.......






الجزء الثاني: بداية الصدمة

هنا تبدأ ملحمة أخرى لاتقل فظاعة وبشاعة عن سابقتها وإن إستطعت فهم دوافع المجرم في السرقة " وهذا ابن آدم قتل أخيه لأن قربانه لم يتقبل منه" فإنك عبثا ستستوعب تقاعس الرجال المنوط بهم حماية الشعب وتوفير الأمن له عند خذلانك وإفصاحهم مرارا وتكرارا أن هذا ليس شغلهم!!!

لم تكد السيارة تغادر الدوار حتى ضغطت أصابعي على أزرار رقم 9 أربع مرات لأخبر شرطي العمليات أن السيارة سرقت الآن والحدث طازج فرد علي بكل برود أن البلاغ وصل وأنت ما يهمك!
ركبتٌ سيارة أخرى وبحثت في وادي عدي وحلة السد إلى القرم لمدة نصف ساعة ولم أُشاهد أية سيارة للشرطة!!

الساعة 10.30: إتصلت بهم مرة أخرى وردّوا بأن علي التوجه إلى مركز شرطة روي... ذهبت حالا ولما سألتهم عن الوضع وهل أوقفوا دوريات على الشوارع المحيطة إنصدمت بردهم الصاعق: ما عندنا خبر وماشي تعميم! والآن؟ روح مركز شرطة الوطية لأنه وادي عدي تابعة لنا لكن الدوار تابع للوطية

الساعة 11.00: وصلت مركز الوطية وسألتهم عن تطورات الموقف لأصاب بصدمة أخرى حين قالوا بكل برود: ماعندنا خبر!! بدأوا حينها بكتابة تفاصيل الحدث وأخبروني أن شرطة المرور تختلف عن شرطة المراكز و لايوجد تواصل بينهما يستحق الذكر!
أثناء وجودي في المركز بدأت أتعرف لأول مرة على هذا العالم الغريب العجيب المليئ بالإحباط وضعف الهمة وخلال أقل من ساعة شاهدت وسمعت قصص سرقة عديدة بعضها طازج وكانت ردة الفعل والتعليقات في كل الأحوال تصيبك بالقهر أما بخصوص سيارتي فكنت أسمع من الشرطة الإحتمالات التالية:
السيارة خرجت من الحدود عبر القفار
تم بيع السيارة على هيئة سكراب
السيارة خرجت عبر المنافذ الحدودية ... كيف؟ عن طريق الرشوة وهذا ما سمعته منهم! ,ويقولوا كل شي وارد!!!
السيارة موجودة في مناطق قريبة وهي مسروقة لإستخدامها في عمليات سرقة منازل وإرتكاب جرائم أخرى

ركبت سيارة أجرة ورجعت إلى البيت غضْبان أَسِفا متعلقا بشعرة أمل في قدرة الشرطة على إعادة السيارة التي إرتبطت بها قلبيا قبل النظر في قيمتها وخلال ساعات من الإحباط قمت بالتالي:

<

الخميس، 5 يناير، 2012

سلسلة قصص واقعية من المجتمع العماني، الجزء الثاني

سلسلة قصص واقعية من المجتمع العماني.


سلسلة من القصص الواقعية من مجتمعنا المعاصر، حرصت على أن أسردها كما وردت من أصحابها أو من يقربون لهم بشكل مباشر كوني تعبت من كثرة القصص المحرفة التي تصلنا بعد أن تم تحريفها مئات المرات وصارت أشبه بقصص الخيال.


القصة الثانية: خيانة زوجية...على سنة الله ورسوله!

 تعيش صاحبة هذه القصة حياة طبيعية مثل كثيرات غيرها، تعمل معلمة في إحدى مدارس محافظة الظاهرة، متزوجة منذ سبع سنوات ولها ثلاثة أبناء، زوجها يعمل في العاصمة مسقط ويلتقيان أيام الإجازات الرسمية ونهاية كل أسبوع مثل كثير من العمانيين الذين اعتادوا على هذا الوضع.

في يوم من الأيام، كانت مع زوجها في السيارة  وقد توقفا في محطة للتزود بالوقود، أعطاها محفظته لكي تدفع ثمن البنزين بينما ذهب هو لشراء بعض الحاجيات، تفاجأت الزوجة عندما رأت بطاقة شخصية لامرأة غريبة  في محفظته، قالت في نفسها  لعل امرأة أعطته بطاقتها كي ينهي لها بعض المعاملات، وعندما عاد سألته بهدوء عن بطاقة تلك المرأة وعن المعاملة التي تريد إنجازها، سكت الزوج قليلا ثم قال: لا، لم تعطني بطاقتها كي أنجز لها بعض المعاملات، إنها... زوجتي.

لم تصدق الزوجة نفسها، هل هي مزحة؟ ولم يقولها بهذه البساطة؟
اتضح مع مرور الوقت أنه جاد وأنه بالفعل متزوج من غيرها ومنذ متى؟ منذ خمس سنوات كاملة! أي بعد سنتين من زواجه بها، وطوال هذه الخمس سنوات كان متزوجا بالسر، لا بل إنه له ولدان من زوجته "السرية" التي يعيش معها في مسقط خمسة أيام أسبوعيا بينما يعيش مع هذه المسكينة يومين في الأسبوع!

لم ترض المرأة بهذا الوضع أبدا، أي وقاحة هي هذه؟ يتزوج بالسر، ويكون له أولاد دون أن تعرف هي أو حتى أقاربه هو عنهم؟ قالت له وبكل وضوح، لن نستمر أنا وهي معا، إما أنا وإما هي، فكان الرد منه، أنت طالق، وسأبقى معها هي، وطلق هذه المسكينة بكل بساطة تاركا إياها وأولادها.

لن أقوم بالتعليق هنا على موقفها وإن كان صحيحا أم لا، لكن لا أعتقد أن اثنان يجب أن يختلفا على أن ما قام به بزواجه السري خطأ بل وخطأ كبير سيدفع ثمنه ما بقي من عمره، فكيف له أن يقابل أبناءه الثلاثة بعد أن تخلى عنهم وعن والدتهم لأنه فضل غيرهم؟ وكيف له أن يسامح نفسه بعد أن طلق زوجته وتركها هي وأبنائها تقاسي الحياة دون رب أسرة يرعاهم إلى أمد غير معلوم؟

عندما سمعت بالقصة، تفاجأت من ردود أفعال بعض الناس، كانوا يقولون بأن من حقه أن يتزوج غيرها وهذا حق شرعي في الإسلام! حق؟ وأي حق؟ أن يتزوج سرا هكذا دون حتى أن يخبر أعز الناس إليه؟ لست مفتيا ولن أفتي بجواز ذلك أو لا، ولكن شخصا كهذا لا يعرف قيمة الحياة الزوجية ولا يستحق أن يكون أبا حتى،  والسنين ستوضح له كم كان مخطئا عندما يكبر أبناءه الثلاثة من زوجته السابقة ويكرهونه أشد الكره عندما يعلمون كيف (باعهم) برخص التراب فقط لأنه فضل زوجته الثانية وأولادها عليهم وعلى والدتهم.

من الواضح جدا حاجة هذا المجتمع إلى الكثير والكثير من النقاشات والدراسات حول تعدد الزوجات وما يتعلق بها من مواضيع، وقصص كهذه أصبحت أمرا شبه عادي، خاصة مع تحسن الظروف المعيشية لبعض الأزواج الذين يرون في ذلك فرصة للزواج مرة أخرى دون التفكير في قدرته على ذلك أو سلبياته على حياته مع زوجته الأولى إن لم تكن قد رضت عن ذلك أو إن لم تكن قد علمت بالأمر أصلا! لست من المعارضين لتعدد الزوجات، بل على العكس أنا أرحب به خاصة إذا كان سبيل حصول أرملة أو مطلقة أو من فاتها القطار و تقدمت قليلا في العمر على أزواج صالحين يهتمون بهن وبأولادهن إن كان لديهن.




سلسلة قصص واقعية من المجتمع العماني، الجزء الأول

سلسلة قصص واقعية من المجتمع العماني.

سلسلة من القصص الواقعية من مجتمعنا المعاصر، حرصت على أن أسردها كما وردت من أصحابها أو من يقربون لهم بشكل مباشر كوني تعبت من كثرة القصص المحرفة التي تصلنا بعد أن تم تحريفها مئات المرات وأصبحت أشبه بقصص الخيال.


القصة الأولى: عندما يكتشف اليتيم أنه ليس يتيما، وأن أمه لم تترمل 

ولد شاب عماني واعد في إحدى ضواحي ولاية عبري في زمن كانت فيه عمان ما تزال في بداية نهضتها الحديثة، كان العمانيون آنذاك قنوعين جدا رغم صعوبة ظروف العيش، وكانوا جيلا ذهبيا من أجيال عمان بذلوا الغالي والرخيص من أجل الوطن وفي سبيل طلب العلم والعمل به، ولم يتذمروا يوما بسبب ضعف أحوالهم الإقتصادية أو قلة الخدمات في الدولة أو لسبب آخر، ربما لأنهم  كانوا معزولين عن العالم كله و يعيشون في هناء ورخاء على الرغم من التخلف الكبير بينهم وبين (العالم الأول) الذي ربما لم يسمعوا يوما عنه.

 تميز هذا الشاب بعبقريته منذ صغره، وكان دائما متفوقا في دراسته، انهى دراسته ثم واصل الدراسة في الجامعة وتخرج ثم قرر أن يستقر ويتزوج. تزوج ورزقه الله بابن وابنة رائعين وكان يعيش معهما وزوجته أسعد حياة، إلى أن جاء قرار مواصلته لدراسته في الولايات المتحدة الأمريكية، القرار الذي لم يكن يعلم حينها أنه سيغير مسار حياته وحياة أسرته إلى الأبد وسيترك فيهم جميعا جرحا لا تشفيه السنين مهما تراكمت فوق بعضها.

سافر الشاب تاركا وراءه ابنا وابنة فخوران به، وزوجة محبة مخلصة تدعو له على الدوام، وبعد مرور فترة على وصوله إلى "أرض الحريات" انقطعت الأخبار عنه فجأة....وبدون أي سابق انذار. حاول أقاربه الاتصال به بكل الطرق لكن دون جدوى، تم التبليغ عن فقدانه واستمر البحث عنه لأشهر دون جدوى أيضا، بذل أهله وأقاربه وأصدقائه والحكومة العمانية الغالي والرخيص ليعرفوا إن كان يتنفس أم لا على الأقل، ولكن..دون جدى. لتمضي الأسابيع ثم الأشهر والشهور والسنوات على هذه الحال.


كانت الصدمة كبيرة جدا على زوجته وطفليه، فما أصابهم أشد من لو أن خبر وفاته قد وصلهم، فهم أصبحوا معلقين لسنوات بين هذا وذاك، زوجته كانت معلقة ما بين أرملة ومتزوجة، وأولاده كانوا شبه أيتام، مرت السنوات وحالهم من سيء إلى أسوأ، وزوجته عملت خياطة كي تعيل ابنيها بعد أن انقطع كل شي من والدهما، وبعد أربع سنوات على غيابه قام القاضي بتطليق زوجته منه بسبب غيابه الطويل واحتمال وفاته.

زوجته لم تتزوج أحدا بعده حتى بعد مضي أكثر من عشر سنوات على غيابه، لا أعرف لمذا ولكن ربما بسبب الجرح العميق الذي أصابها بعد غياب زوجها هكذا فجأة، أو ربما لسبب آخر.

كبر الطفلان والتحقا بأرقى المؤسسات التعليمية في هذا البلد، بعد أن ورثا العبقرية عن والدهما، مرت ثماني عشرة عاما مريرة عليهما وعلى والدتهما عاشا فيه يتيمان وعاشت فيها أمهما أرملة أو ربما مطلقة، لم تكن ثماني عشرة عاما كلها حزن ودموع طبعا، فمهما كانت الظروف فإن الله رحيم بعباده ويأبى إلا أن يرى السعادة تغمر عباده الصالحين وإن قست عليهم الأقدار. مرت ثمانية عشر عاما كاملة، وفجأة، ودون أي مقدمات، جاءهم الاتصال......أنا فلان......سأزوركم لمدة أسبوعين كي أراكم! اتصل بها زوجها ليخبرها بأنه حي يرزق وأنه سيعود عما قريب!

ولكن هل يعقل؟ من أنت؟ وكيف؟؟؟ ألم تمت؟؟؟ أين كنت؟؟؟ ماذا حدث؟؟؟  كل هذه الأسئلة وعشرات غيرها تزاحمت لتطرح عليه.

رفضت ابنته الوحيدة أن تراه عندما سمعت بما جرى، ولا أعتقد أنه يجب علينا أن نلومها على ذلك. ربما كانت لا تريد رؤيته لأنها كانت قد آمنت كل تلك السنين بأنه ميت وصار من الصعب عليها أن تراه، أو لأنها صارت تكرهه بعد أن علمت أنه كان حيا ولم يكلف نفسه حتى بالسؤال عنهم ولو مرة واحدة أو حتى إخبارهم بأنه حي. أو ربما لسبب آخر، المهم أن الأمر لم يكن سهلا أبدا عليها، ولكنها  اقتنعت بعد إصرار صديقاتها وأهلها.

وصل الأب الذي غاب قرابة عقدين من الزمن، أو بالأحرى الذي مات عقدين من الزمن إلى منزله، ولكن  لم يكن وحيدا، فقد كانت معه زوجته الأمريكية المسيحية، وابن وابنة شابان!

لا أملك الكلمات لأعبر عن لحظات لقائه بأسرته بعد كل تلك المدة ، ولكن أترك لكم الفرصة لتتخيلوا كيف كانت حرارة، ومرارة ذلك اللقاء، كيف كان شعور زوجته الأرملة عندما رأته بعد غيابه الطويل قادما مع زوجته المسيحية التي ارتدت الحجاب بناءا على طلبه ربما، وابنيه الأمريكيان، وكيف رأت ابنته وابنه والدهما الذي لا يملكان سوى صور قليلة له في ذاكرتهما من طفولتهما.

لا أعتقد أن هناك عذرا في العالم يغفر لهذا الأب ما قام به، حتى ولو أراد أن يبقى ويعيش في بلاد العم سام كان بإمكانه أن يكلف نفسه بإرسال رسالة واحدة إلى زوجته يخبرها فيها، أنا لن أعود، وأنت طالق، لكي يريحها على الأقل من جحيم التفكير طوال تلك السنوات. لكن الأب كان لديه عذر يبرئه من كل ما حصل ويلقي بكل اللوم إلى شخص آخر، فهو لم يكن قد مكث هناك بإرادته، ولم يكن ربما قد تزوج بأمريكية مسيحية بإرادته، ولم يكن قد اختفى عن الوجود بإرادته أيضا، فكل هذا كان مدروسا ومقصودا من قبل (شرطي العالم) حكومة الولايات المتحدة الأمريكية التي رأت عربيا عبقريا أكثر من المسموح به، فخافت أن يكون سببا لامتلاك إحدى الدول العربية أو الإسلامية سلاحا نوويا يهدد به لقيطتها إسرائيل، فقامت بكل بساطة بسرقته بطريقة أو بأخرى دون أن تترك لنفسها العناء لتقول لأهله أنه لن يعود أو أنه قد مات. وما أكثر قصص العلماء العراقيين والعرب الذين نسمع عنهم قصصا مماثلة، ذهبوا هناك لطلب العلم أو لسبب آخر لينتهي بهم المطاف إما بالتجنيس بطرق مشبوهة أو بالإغتيال بطرق خبيثة تجعل ما حصل كأنه جريمة قتل أو حادث.

هكذا، وبكل بساطة ووحشية، قامت تلك الحكومة القذرة بتحويل حياة أب وأم وطفليهما إلى جحيم استمر عقدين من الزمن، عقدين من ذرف الدموع وعصر اليدين، عقدين من التشرد والتفكير في حال الأحباء على الجانب الآخر من الكرة الأرضية، عقدين من التيتم والترمل والفقر، عقدين من الدعاء على المسؤول كائنا من كان. كل هذا فقط لكي تسكت خوفها من حصول أحد غير إسرائيل على سلاح نووي في المنطقة، وربما لو كان أقل ذكاءا بقليل لكان قد قتل أثناء وجوده في أمريكا وسينساه التاريخ بعد سنين من مقتله بسبب أو لآخر سواء أكان عراكا مع أحد المجرمين أو حادث سير، ولكن يبدو أنهم طمعوا في عقله وعبقريته فأبقوه معهم كي يستفيدوا منه وكأنه ابنهم الذي ربوه وتعبوا عليه.

أخبر الأب أسرته بأنه لن يتمكن من مغادرة وطنه الجديد أمريكا بعد الآن، وأنه سيكون عليهم أن يزوروه هناك لكي يروه، وبالفعل أصبح ابناه يسافران إليه بضعة أشهر كل عام لرؤيته، فيا سبحان مغير الأحوال الذي لا يتغير، كيف تغير حالهم من حال إلى حال خلال أسابيع قليلة، ومع أنه لا يوجد شيء في الوجود يمكن أن يعوض إنسانا عن عيش طفولته بجانب والديه إلا أن الله ترحم على هذه الأسرة المسكينة وأراد عن يعوضهم عن الحنان الذي فقدوه طوال تلك السنين.

تعيش هذه الأسرة الآن حياة سعيد بعد أن أنهى الولدان دراستهما قبل سنوات قليلة وأصبحت أوضاعهم النفسة والمادية ميسورة والحمد لله. وعلى الرغم من كثرة الأحزان في هذه القصة إلا أنها انتهت نهاية سعيدة بعض الشيء وكانت فيها مواساة كبيرة لكل من فيها.

 قصة مؤلمة توضح لنا عجائب أقدار الله سبحانه، وترينا وقاحة وفضاضة الوضع الذي وصلت إليه أمريكا والذي سيكون يوما من الأيام سببا لانهيارها كما انهارت من قبلها أمم كانت أشد منها بأسا فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا بعد أن طغوا في الأرض وانهارت دول بأكملها خلال أيام من دون أن  تغزوهم طير أبابيل أو تحل عليه معجزة ظاهرة للعيان أو حتى يقاتلهم جيش به مئات آلاف المقاتلين، وما حدث للإتحاد السوفييتي وغيره من الأمم التي اختفت بصمت خير دليل على ذلك.

افتتاح المدونة

بسم الله الرحمن الرحيم.

على بركة الله قررت أن أبدأ التدوين في مدونتي الشخصية بعد أن كنت أكتب هنا وهناك محاولا إصلاح ما يمكن إصلاحه في هذا المجتمع الذي يسير جزء كبير منه نحو الهاوية على قدميه ممتطيا أحصنة الإنترنت ووسائل الإعلام، بينما يقف الجزء الآخر متفرجا عليه وكأنه أمر لا يعنيه متجاهلا أنه معه في نفس السفينة وإن غرقوا فسيغرق معهم هو ومن معه.

اخترت اسم هذه المدونة  ليكون هكذا لشدة إعجابي بما قرأته عن تاريخ عمان، وتاريخ المجتمع العماني الذي كان في مختلف الظروف الإقتصادية والسياسية مجتمعا يضرب به المثل في التمسك بهويته وعاداته، وبكرمه وطيبته واجتهاده مهما كانت الظروف قاسية. ونحن كعمانيين نعيش في القرن الحادي والعشرين ونشهد تدهور الهوية العمانية وظهور عادات دخيلة علينا من هنا وهناك علينا أن نقف وبكل قوتنا ضد هذه التيارات العولمية التي لا تجد التحضر إلا في تقليد الغرب التقليد الأعمى. سأبذل جهدي من خلال بعض الكتابات في هذه المدونة إضافة إلى مشاركات في بعض المواقع والمنتديات الأخرى أن أحد ولو قليلا من آثار العولمة على مجتمعنا الأصيل المسلم، سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة، سواء أكان ذلك بالكتابة عن بعض الظواهر الشاذة على مجتمعنا أو سرد بعض القصص الواقعية من التاريخ العماني أو بطرق أخرى.

وعلى الرغم من كثرة مشاغلي خاصة مع زيادة ضغوط الدراسة إلا أنني أرى أن هذا أقل ما يمكنني أن أقوم به لهذا المجتمع الذي أخرجني رجلا أأثر على الناس بدلا من أن أتأثر بهم وأقلدهم. وسأسعى إن شاء الله لتمضية أكبر وقت ممكن في الكتابة في هذه المدونة. وآمل أن تساعدوني إخواني وأخواتي في نشر ما يعجبكم من هذه المدونة(إن أعجبكم شيء فيها)  قدر ما تستطيعون. وأسأل الله التوفيق لما يحبه ويرضاه.